محمد بن جرير الطبري

107

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : فلا تعجبك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة . وقال : معنى ذلك : التقديم وهو مؤخر . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ قال : هذه من تقاديم الكلام ، يقول : لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة . حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها في الآخرة . وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ، بما ألزمهم فيها من فرائضه . ذكر من قال ذلك : حدثت عن المسيب بن شريك ، عن سلمان الأقصري ، عن الحسن : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال : بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله تعالى . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بالمصائب فيها ، هي لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا ، التأويل الذي ذكرنا عن الحسن ، لأن ذلك هو الظاهر من التنزيل ، فصرف تأويله إلى ما دل عليه ظاهره أولى من صرفه إلى باطن لا دلالة على صحته ، وإنما وجه من وجه ذلك إلى التقديم وهو مؤخر ، لأنه لم يعرف لتعذيب الله المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا وجها يوجهه إليه ، وقال : كيف يعذبهم بذلك في الدنيا ، وهي لهم فيها سرور ، وذهب عنه توجيهه إلى أنه من عظيم العذاب عليه إلزامه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفرائضه ، إذ كان يلزمه ويؤخذ منه وهو غير طيب النفس . ولا راج من الله جزاء ولا من الآخذ منه حمدا ولا شكرا على ضجر منه وكره . وأما قوله : وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ فإنه يعني : وتخرج أنفسهم ، فيموتوا على كفرهم بالله وجحودهم نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم ، يقال منه : زهقت نفس فلان ، وزهقت ، فمن قال : زهقت ، قال : تزهق ، ومن قال : زهقت ، قال : تزهق زهوقا ؛ ومنه قيل : زهق فلان بين أيدي القوم يزهق زهوقا : إذا سبقهم فتقدمهم ، ويقال : زهق الباطل : إذا ذهب ودرس . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ يقول تعالى ذكره : ويحلف بالله لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون كذبا وباطلا خوفا منكم ، إنهم لمنكم في الدين والملة . يقول الله تعالى مكذبا لهم : وَما هُمْ مِنْكُمْ أي ليسوا من أهل دينكم وملتكم ، بل هم أهل شك ونفاق . وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ يقول : ولكنهم قوم يخافونكم ، فهم خوفا منكم يقولون بألسنتهم : إنا منكم ، ليأمنوا فيكم فلا يقتلوا . القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ يقول تعالى ذكره : لو يجد هؤلاء المنافقون ملجأ ، يقول : عصرا يعتصرون به من حصن ، ومعقلا يعتقلون فيه منكم . أَوْ مَغاراتٍ وهي الغيران في الجبال ، واحدتها : مغارة ، وهي مفعلة من غار الرجل في الشيء يغور فيه إذا دخل ، ومنه قيل : غارت العين : إذا دخلت في الحدقة . أَوْ مُدَّخَلًا يقول : سربا في الأرض يدخلون فيه ، وقال : " أو مدخلا " . . . الآية ، لأنه من ادخل يدخل . وقوله : لَوَلَّوْا إِلَيْهِ يقول : لأدبروا إليه هربا منكم . وَهُمْ يَجْمَحُونَ يقول : وهم يسرعون في مشيهم . وقيل : إن الجماح مشي بين المشيين ؛ ومنه قول مهلهل : لقد جمحت جماحا في دمائهم * حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا